حبيب الله الهاشمي الخوئي

50

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنّفاذ فيه ولولا ذلك لما كان الطَّيران ممكنا ، وجسد الطَّير جسم ثقيل والجسم الثّقيل يمتنع بقاؤه في الجوّ معلَّقا من غير دعامة ولا علاقة فوقه ، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو اللَّه سبحانه . ( ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجوّ المنفسح والفضاء المنفرج ) أي باسطة جناحيها في أمكنتها الَّتي تخرق الهواء الواسع فتدخلها قال تعالى : * ( « أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ » ) * . قيل في تفسيره : أي باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها ، فانّهنّ إذا بسطنها صففن قوادمها - ويقبضن - أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التّحرّك ، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتّفرقة بين الأصيل في الطيران والطَّارى عليه - ما يمسكهنّ - في الجوّ على خلاف طبعهنّ - إلَّا الرّحمن - الشّامل رحمته كلَّشيء بأن خلقهنّ على اشكال وخصايص هيئاتهنّ للحركة في الهواء - إنّه بكلّ شيء بصير - يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبّر العجائب . ( كوّنها ) كساير المكوّنات والمخلوقات ( بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة ) وهيئات بديعة غير مستورة ( وركَّبها في حقاق مفاصل محتجبة ) مستترة باللَّحم والجلد ونحوهما ( ومنع بعضها بعبالة خلقه ) وضخامة جثّته كالنّعامة واللَّقلق ونحوهما ( أن يسمو في السّماء خفوفا ) أي يعلو في جهة العلوّ بسرعة ( وجعله يدفّ دفيفا ) أي يحرّك جناحيه للطَّيران قال الفيومي : معناه ضرب بهما دفّيه وهما جنباه ، يقال ذلك إذا أسرع مشيا ورجلاه على وجه الأرض ثمّ يستقلّ طيرانا ( ونسقها ) أي نظمها ( على اختلافها في الاصابيغ ) والألوان ( بلطيف قدرته ودقيق صنعته ) أي جعل كلَّا منها على لون خاصّ على وفق حكمته البالغة ( فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه ) أي بعضها ذو لون واحد كالأسود والأبيض والأحمر ، فعبر عنه بالغمس في قالب اللَّون إشارة إلى